حسن النيفي

باحث وكاتب سوري

الاحتواء التركي لنظام دمشق

منذ شهر آب من العام الفائت بدأ الإعلام التركي يتحدث عن مصالحة ممكنة مع نظام الأسد، وبدأت الخارجية التركية تبدي نشاطاً إعلاميا ملحوظاً في هذا السياق، ما أفضى إلى أكثر من لقاء في موسكو بين وزراء دفاع كل من تركيا وروسيا ونظام الأسد، فضلاً عن اللقاءات السابقة والمستمرة على المستوى الأمني بين الطرفين، وممّا هو واضح أيضاً أن سخونة الحديث عن التقارب الذي يمكن أن يصل إلى حد التطبيع ، كانت تستمدّ حرارتها من الاستحقاق الانتخابي الذي باتت فيه قضية اللاجئين السوريين ميداناً للمناكفات السياسية بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وبقية أحزاب المعارضة، وكان واضحاً ان الحزب الحاكم أراد مصادرة ملف اللاجئين من أيدي منافسيه، ما جعله يبدي اندفاعة قوية تجاه نظام الأسد، قابلتها سلطات دمشق بفتور ملحوظ، ربما لإدراكها التام بأن نبرة الغزل التركي شديدة الصلة بالاستحقاق الانتخابي الذي حُسم لصالح الرئيس أردوغان.

لعل فوز الرئيس أردوغان بانتخابات الرئاسة في أيار الماضي لم يثن الحكومة التركية عن الاستمرار برفع شعار التقارب مع سلطة دمشق، وما من شك أن مجاراة أنقرة لشريكتها موسكو كان الدافع الأكبر لاستمرار الاندفاعة التركية، إلّا أن الطرف الثالث في شراكات أستانا، ونعني إيران، كان له رأي مغاير، ربما أهم ملامح هذا الرأي هو اعتقاده الثابت بأحقية تحكّمه بمصير نظام الأسد قبل روسيا، بل ربما اعتقدت طهران أن وصايتها الشرعية على الأسد تجيز لها أن تكون هي صاحبة الكلام الفصل من أي خطوة سياسية يبديها النظام في المحيط الإقليمي، الأمر الذي دفعها إلى لجم الأسد من التعاطي بإيجابية منفتحة تجاه أنقرة، ولعل إصرار نظام الأسد على شرط الانسحاب التركي من جميع الأراضي السورية قبل أي خطوة تطبيعية بين البلدين هو إيحاء إيراني ينطوي على رسالة للروس أولاً وللأتراك ثانياً، يؤكد أن طهران هي من تمسك برقبة الأسد وهي من توجه بوصلته السياسية.

ما هو لافت للانتباه هو تلك الحركة العكسية بين أنقرة وحاكم دمشق، إذ كلّما أبدى الأسد تشدّداً وبدا متعنّتاً في العلاقة مع تركيا، تبادر أنقرة إلى احتواء التصعيد الأسدي، بطريقة فيها الكثير من الحنكة والدوبلماسية، ولعل هذه الاستراتيجية التي تتمسك بها انقرة هي التي تمكنها من الاستمرار في علاقات متوازنة مع كل من طهران وموسكو.

في لقائه مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يوم الأحد في السادس عشر من تموز الجاري، جدّد بشار الأسد تصعيده الكلامي تجاه تركيا خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالسوداني، مشيراً إلى أطماع دول الجوار في سورية، ويعني تركيا، وذلك بدوافع توسعية، أو بدوافع دينية متخلفة وفقاً لتعبير رأس النظام في دمشق، إضافةً إلى إشارته أيضاً خلال حديثه إلى سرقة حصة كل من سورية والعراق من نهر الفرات، وهو يعني تركيا أيضاً بهذه السرقة.

بدور لم يتاخرالرئيس أردوغان في الرد على تصريحات الأسد، إذ أكّد الرئيس التركي من خلال تصريحات ادلى بها قبيل مغادرته تركيا إلى جولته الخليجية، أكد فيها : ( نحن لم نغلق الباب أمام الأسد ولكنه يتقدم بطلبات غير مقبولة، مثل اسحاب تركيا من سورية بينما لا يطلب الشيء ذاته من الدول الأخرى ، ومن الممكن أن نتحدث معه إذا تقدم بطلبات عادلة أكثر من هذه) وأضاف الرئيس التركي: ( نحن في شمال سورية نحارب الإرهاب، ومن غير المقبول طلب انسحابنا من هناك بهذا الشكل). وربما انطوى الرد التركي على نوع من المداعبة التي تُضمر في طياتها الكثير من الاحتقار، إذ كأنه يقول له : لو أنك اكتفيت بالطلب منا أن نمنحك السيطر على طريق ( إم 4 حلب اللاذقية) لربما منحناك ذلك، أما أن تتجرأ بطلب انسحابنا من الأراضي السورية فهذا من غير المقبول والعادل.

ثمة حقائق لا يمكن نكرانها، أولاها أن تقارب تركيا مع نظام الأسد لا تريد منه أنقرة شيئاً من الأسد لأنها تعلم انه ليس لديه ما يقدمه للآخرين إلا الوباء والشرور، ولعل الصحيح أن تركيا تتقرّب من الأسد وعينها على بوتين، ماذا سيعطيها مقابل هذا التقارب. وثانيها أن التواجد التركي في سوريا مرتبط بتواجد قوات قسد في الأراضي السورية، ولعله من العسير انسحاب تركيا دون النظر إلى التواجد الكردي المسلح في شمال وشرق سوريا، وهذه المسألة لا يمكن تسويتها دون الدور الأمريكي الذي لم يقرر حتى الآن الخوض بجدية في هذه المسألة.

وإذا كانت جميع الدول اللاعبة في الميدان السورية ( أمريكا – تركيا – روسيا – إيران ) تحيل بجميع مظاهر سلوكياتها بأنها ما تزال منهمكة بإدارة الصراع في سورية وليس في البحث عن الحلول، والسؤال: إلى متى ستبقى الكيانات الوظيفية السورية للمعارضة مجرّد أدوات بيد الدول لإدارة الصراع؟

المقالات المنشورة ضمن موقع المجلس العسكري السوري لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلس, انما تعبر عن رأي كاتبها

%d مدونون معجبون بهذه: